الاثنين، 18 أغسطس، 2008

شقيق الرئيس و مستشاره الخاص: السعيد بوتفليقة " رجل الظل" يخرج مكرها للضوء.. لكن لماذا في هذه الأيام بالذات ؟!


السعيد بوتفليقة ! من كان يسمع عن هذا الاسم قبل رئاسيات 1999 ؟
قلائل جدا هم الذين كانوا يعرفونه، و يعرفون بأنه واحد من أشقاء عبد العزيز بوتفليقة وزير خارجية الرئيس الراحل هواري بومدين. لكن اسم السعيد بوتفليقة راج فجأة وسط مؤيدي الرئيس بوتفليقة في المقام الأول، قبل أن يتحول رقم هاتفه الجوّال إلى علامة نفوذ، يتباهى بها الوصوليون ( من الوصولية، و ليس الأصولية) و النصّابون المتنكّرون وراء عناوين الأحزاب السياسية.
صحيح أن السعيد بوتفليقة كان قد زوّد البعض بأحد أرقام هواتفه النقّالة، و لكن صحيح أيضا أن الذين حصلوا على رقم هاتفه،لم يتوانوا في استخدام ذلك الرقم على سبيل الخدمة الحميمة التي لا تقدّر بثمن، يقدمونها لكل من يخدمهم بدوره.
لحسن الحظ أو لسوئه أن كثيرا من الطمّاعين، لم يبقوا قادرين على سماع صوت شقيق الرئيس على ذلك الرقم الهاتفي الجوّال. و لكن ليس هذا ما يهمنا الآن.
السعيد بوتفليقة، قلّ الحديث عنه خلال السنوات الثلاث الأخيرة، و هذا إعلاميا على الأقل. و حتى على صعيد الصالونات و الجلسات الحميمة التي تتم بين المشاركين في السلطة أو الساعين إلى الانضمام إلى السلطة أو الموعودين بمكان في السلطة أو اللاهثين من أجل العودة إلى السلطة، لم يعد الحديث عن الرجل بالحجم الذي كان عليه. لماذا ؟ هذا ما سنعود إليه.
منذ أيام قليلة، فاجأتنا صحيفة Jeune Afrique الفرنسية بما يشبه الملف، أسهبت فيه بتعريف ما اعتبرت أنها الخمسين شخصية المؤثّرة في الجزائر و في الجزائريين.
Jeune Afrique صحيفة فرنسية، و لكنها بالنّظر إلى الملف الذي نشرته يبدو أنها لا تعرف ما يجري في الجزائر أفضل من الجزائريين فحسب، و إنما تعرف أيضا حتى الشخصيات التي تؤثر في مجريات الأحداث عندنا أو التي تمارس قدرات سحرية على أذهاننا و توجهاتنا، ما دامت هذه الصحيفة، من هناك... من فرنسا، تستطيع أن تقدم لنا و لباقي سكان العالم، أسماء الخمسين شخصا الأكثر تأثيرا فينا و في واقعنا !
طبعا، ليس بوسعنا إلا أن نؤمن بصحة ما أتت به Jeune Afrique . فنحن شعب، لا شيء أصبح يفاجئنا، و لا شيء لا نصدّقه، منذ أن أصبح ما لا يُصدّقُ يحدث عندنا يوميا و نشهد عليه في كل ساعة و لحظة. فلماذا لا نصدّق صحيفة فرنسية متأكدة من كونها تعرف عظماءنا أكثر منا ؟!
Jeune Afrique نشرت إذن 50 اسما لرجال أعمال، و مفكّرين و باحثين و صحفيين، و سياسيين.... و وسط كل هؤلاء، هناك اسم السيد السعيد بوتفليقة... نعم، السعيد بوتفليقة شقيق الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. طبعا، عموم الجزائريين كان يعرف قبل ذلك بأن السعيد بوتفليقة يضطلع بمهام مستشار الرئيس الخاص. و لكن، ما كان يشكّ فيه الجميع، هو أن يمارس شقيق الرئيس أي تأثير مهما كان نوعه علينا كمجتمع و كوطن و كدولة ! لكن Jeune Afrique متيقنة مما تقول.. نعم، إن السعيد بوتفليقة يُعدُّ واحدا من أكثر الأشخاص تأثيرا في الجزائر !
بمثل، هذا التأكيد، Jeune Afrique تعيدنا إلى المربع الأول... المربع الذي كدنا ننساه، مربع الروايات التي لا حصر لها عن شخصية السعيد بوتفليقة، ذهنيته، سيكولوجيته، حالات غضبه، الأشياء التي تسرّه و تريحه، الأمور التي لا يحبها و لا يحب من يحبها ، الأشخاص الذين يحب من يكرهوهم، و الأشخاص الذين يكره من يحبونهم ، أطباقه المفضّلة، ألوانه المحبّذة، النّكت التي تُضحكه أكثر من الأخرى ... و ماذا قال ماذا بأي لهجة لمن و أين و متى و بحضور من. لقد أعادتنا Jeune Afrique إلى ذلك المربع.
علمنا في وقت معيّن أن السعيد بوتفليقة اصطفاه شقيقه الرئيس، مستشارا خاصا به، و لكننا مع مرور الوقت، أخذت ذاكرتنا تغربل كل تلك الروايات التي تناقلها الناس عنه، و رحنا نصدّق بأن الرجل لا يعدو أن يكون أكثر من مجرد موظف سام يتلقى راتبا محترما، و يستمتع بسيارة أنيقة و ببعض الامتيازات التي توفرها الدولة لمئات كبار الموظفين...لا أكثر، و لا أقل. لكن، ها هي Jeune Afrique تصحّح مخزون ذاكرتنا و تؤكد لنا بأن السيد السعيد بوتفليقة، ليس مجرد مستشار رئاسي، و ليس مجرّد موظف سامي في الدولة، و إنما هو أيضا و خصوصا، واحدا من الشخصيات الخمسين التي تؤثر في صيرورة الأشياء في هذا البلد... Jeune Afrique هي التي أتت بهذا المفاد، و لماذا لا نصدّق Jeune Afrique ؟ نصدّقها ! لماذا نصدّقها ؟ نصدّقها ببساطة لأنها واحدة من " الصحف الصديقة " !!!
نعم Jeune Afrique واحدة من" الصحف الصديقة". ربما هي واحدة من " الصحف الصديقة" التي لمّح إليها الرئيس بوتفليقة لدى تدخله أمام رؤساء البلديات منذ أيام قليلة، و التي قال عنها بأنها " تتعامل معنا بنفاق " . و ربما ، تكون واحدة من الصحف الصديقة غير المعنية بكلام بوتفليقة، و لكن الأكيد أنها صحيفة " صديقة"، و لا تتنكّر للجميل ! ... و هل من جميل يمكن تقديمه لأي صحيفة في العالم مهما كان عنوانها و حجمها و لونها، أكثر من جميل الإشهار ؟!... كانت هذه محطة وجُب التوقف عندها، و لنعد لموضوعنا.
السؤال الذي لا مفرّ من طرحه، الآن هو: هل صحيح أن السعيد بوتفليقة، رجل يؤثر في مجرى الأشياء في الجزائر ؟
الأسطورة تقول بأنه هو الذي جرّد مدير ديوان رئاسة الجمهورية السابق، العربي بلخير من لقب " رجل الظل". العربي بلخير الذي يُسجّل المطّلعون على خبايا الحكم، دوره الحاسم في إعادة بوتفليقة إلى السلطة عام 1999، و تحكّمه في كل ملفات الرئاسة مهما بلغ وزنها، غادر منصبه، مضطرّا على ما رُوي، و التحق بمنصبه كسفير للجزائر بالمغرب، مكرها بقوة علاقة الاحترام التي تربطه بالرئيس بوتفليقة، مع أن هذا الأخير هو الذي أبعده من ديوان الرئاسة.
الأسطورة تقول أيضا بأن العربي بلخير لما كان مديرا لديوان الرئاسة في عهد بوتفليقة ، عانى أيّما معاناة مما يمكن وصفه بسطوة السعيد بوتفليقة على كل شؤون الرئاسة، بما فيها تلك التي كانت تُعدُّ من صلاحيات مدير الديوان، أي أن السعيد بوتفليقة لم يكن مديرا لديوان الرئاسة، و لكنه كان يمارس الصلاحيات الكاملة لمدير الديوان.
الأسطورة تروي لنا أيضا فصولا طويلة عن الدور الذي لعبه السعيد بوتفليقة، في تسيير قضية الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني السابق، علي بن فليس، عشية انتخابات 2004 الرئاسية. حينها، لمن نسي ربما، كانت الحرب مشتعلة بين بن فليس و بوتفليقة لأن الأول قرر الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، و هذا ما لم يتقبّله بوتفليقة و أنصاره. حتى أن هناك من يقول بأن عبد العزيز بوتفليقة لم يكن يعرف إلا القدر القليل عن تفاصيل المعارك الطاحنة التي كانت تجري في ميدان الحرب بينه و بين فليس و من معه، لأن السعيد بوتفليقة هو الذي كان يخطط و يقرر و يأمر و يتابع التنفيذ و يجازي و يعاقب.
الأسطورة تقول أيضا بأنه إذا كان في الجزائر، شخص واحد يستحق لقب " وزير الدولة"، و هو منصب موجود منذ عدة سنوات، و كل الذين عُيّنوا فيه، ظلوا يتقاضون أجورا من أجل أن لا يقوموا بأي عمل...إذا كان هناك شخص واحد يستحق ذلك اللقب عن جدارة إذن، فهو السعيد بوتفليقة ! لماذا ؟ الأسطورة تجيب: لأن السعيد بوتفليقة هو الذي يدير التعيينات في المناصب العليا للدولة و هو الذي يلمّح أو يأمر صراحة بإنهاء مهام هذا المسؤول أو ذاك ، و هو الذي يحمي أيضا هذا المسؤول أو ذاك و يُبقيه في منصبه لسنوات.. لسنين طويلة من دون أن يتجرأ أيا كان على أن يزحزحه من مكانه أو أن يحرّك شعرة واحدة من شعر رأسه. في هذا السياق، يستشهد أصحاب الأسطورة بشخص معين يشرف على تسيير مؤسسة إعلامية ثقيلة، كان السعيد بوتفليقة هو الذي تدخّل لأجل تعيينه في ذلك المنصب، و هو الذي ظل يدافع عنه و يعارض رحيله من على رأس تلك المؤسسة الإعلامية الثقيلة !
الأسطورة تحكي أيضا أن السعيد بوتفليقة يتحول في بعض الأحيان إلى الملحق الصحفي الأول للرئيس، و في سبيل القيام بهذه المهمة، تضيف الأسطورة بأن الرجل يكلّف نفسه عناء مشاهدة الصور الملتقطة من قبل الكاميرات لخرجات الرئيس و زياراته و أسفاره و خطاباته، و يتدخل في بعض الأحيان حتى في عملية " المونتاج" ( التركيب) و يأمر في أحيان أخرى بإزالة بعض المقاطع أو التعاليق و حتى بحذف أجزاء من خطب الرئيس !...مهما يكن، فهو يتصرف في خطب أخيه، و لمصلحة أخيه الرئيس ، و هذا أمر لا يجب أن يدهشنا، لأن للولايات المتحدة الأمريكية سابقة تاريخية مع الأخوين كيندي.
الأسطورة تقول أيضا بأن قلّة قليلة من وزراء مختلف الحكومات التي تعاقبت منذ مجيء الرئيس بوتفليقة عام 1999، لا تتعامل مع السيد السعيد بوتفليقة، أما الآخرون أي (الأغلبية) فكلهم يفضلون العمل بـ" نصائح" "الأخ" السعيد بوتفليقة... فهو ليس أخا للرئيس وحده، و إنما أيضا أخا لعدد كبير من وزراء الجمهورية. و هذا أمر لا يجب أن يزعج أحد، إذا ما كان هذا " التعاون" بين أعضاء الحكومة و شقيق الرئيس يصب في مصلحة الوطن.
أما عن علاقته بالولاّة، فالأسطورة تقول بأن السعيد بوتفليقة لا يستهويه كثيرا التعامل معهم، بحيث أنه لا يتدخل من حين لآخر إلا لدى بضعة ولاّة يُعدّون على أصابع اليد،علما أن تلك القلّة من الولاّة التي يتعامل معها السعيد بوتفليقة لا تتشكّل من أصدقاء سابقين له، و إنما هي متكونة من أفراد تعرّف عليهم في سياق التعامل الرسمي . لكن، هل كان للسعيد بوتفليقة دورا في تعيين بعض الولاة أو تنحيتهم ؟ الأسطورة تكتفي بالإجابة بنعم، من دون أي تفاصيل أخرى.

الأسطورة تفيد كذلك بأن السعيد بوتفليقة، بقدر ما يحمل على كاهله من مهام ثقيلة، بعضها كُلّف به، و بعضها الآخر حمّل نفسه مسؤوليته، بقدر ما هو يمقت الأضواء و رجال و نساء الإعلام. و لذلك تلحُّ الأسطورة على وصفه برجل الظل. علما كما سبق لنا أن أشرنا، أن لقب " رجل الظل" هذا كان حقّا حصريا للعربي بلخير.
و عن تفضيله، العمل و العيش بعيدا عن الأضواء، تقول الأسطورة بأن مديري بعض الصحف الخاصة في الجزائر، أصبحوا يسهرون " شخصيا" على عدم تطرق الصحف التي يشرفون عليها، إلى شخص السعيد بوتفليقة منذ أن شرّفهم المعني بالأمر ذات يوم بسماع صوته، و ربما حتى رؤيته وجها لوجه، لا لشيء إلا ليقول لهم: " من الآن فصاعدا لن أسمح لأي منكم بالتحدث عن شخصي... مفهوم... تمام ؟!". و بالفعل، منذ ذلك اليوم، بل منذ تلك اللحظة، لم يتجرأ أحد منهم على ذكر الرجل لا بالخير و لا بالشرّ، مع أن اسم السعيد بوتفليقة كان على مدار أسابيع قد تحوّل منذ سنوات خلت، إلى مادة دسمة دائمة الحضور في تلك الصحف!
الأسطورة روت لنا كذلك الكثير الكثير عن السيناريوهات التي كانت تُطبخ في مخابر المرادية بشأن العهدة الثالثة و تعديل الدستور و كذا بخصوص منصب نائب رئيس الجمهورية. الأسطورة كانت تذكر اسم السعيد بوتفليقة على أساس أنه سيكون نائبا للرئيس أي لأخيه و ما من نائب آخر عداه ... لكنها أساطير... مجرد أساطير، و من بين كل تلك الأساطير، واحدة تقول أن الرجل لا ناقة له و لا جمل في كل ما نُسب و يُُنسبُ إليه. أحد الذين عرفوه شخصيا، لما سألناه عن شخص السعيد بوتفليقة اكتفى بالقول أنه " رجل متخلّق و خجول جدا". و لكن أن يكون السعيد بوتفليقة متخلّقا و خجولا " جدا"، فهذا لا يعني إطلاقا أنه لا يؤثر في أمور البلد. بالمناسبة، و على ذكر كلمة " تأثير" التي أسّست الملف الذي نشرته صحيفة Jeune Afrique ، إن يوجد شخص واحد مؤثّر حقيقة في البلاد، من بين كل الأسماء التي أوردتها الصحيفة، على أساس أنها شخصيات مؤثّرة، فهو السيد السعيد بوتفليقة.. أما البقية، فلا تعليق لنا عليها. كما يبدو جليّا أن مبادرة Jeune Afrique جاءت خصيصا من أجل " إبراز" اسم السعيد بوتفليقة كشخصية " مؤثرة"... من أجل إخراجه من الظل إلى الضوء، و قد خرج السعيد بوتفليقة فعلا إلى الضوء بفضل تلك " الصحيفة الصديقة"... و لكن لتحقيق أي هدف ؟ هذا هو السؤال !

سليمان.ع
جريدة أسرار الجزائرية الأسبوعية" أسرار"/ العدد 200 من 16 إلى 22 أوت 2008

‏ليست هناك تعليقات: