26 فبراير, 2009

من محروم من خلافة بومدين و متهم و مطرود من الآفلان و مبعد عن الوطن إلى رئيس للأبد .. بوتفليقة أو عندما تنتقم الأقدار







بعد عشر سنوات في الحكم، بوتفليقة يقرر ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية التي ستُجرى بعد أسابيع قليلة. عندما يقول بوتفليقة أنه قرر الترشح، يفهم الجزائريون منه أنه قرّر البقاء في السلطة، لأن الرئيس في الجزائر عندما يجدّد ترشيح نفسه لذات المنصب، لا يمكنه إلا أن يكون فائزا... فهذا هو المنطق السائد عندنا، و ليس هذا ما أريد المجادلة بشأنه، لأن ما أرغب في الحديث عنه، هو لماذا أراد عبد العزيز بوتفليقة أن يبقى رئيسا، رغم العشر سنوات التي قضاها في منصب، يُفترضُ أنه منصب من نار ؟ هل لأن إلحاح بعض الجزائريين عليه كي يبقى، هو الذي جعله يضحّي بخمس سنوات أخرى من عمره - كما قال ضمنيا في خطاب إعلان ترشحه- أم أن الرجل لا هو ضحّى و لا سيضحي و لا هم يحزنون، و كل ما في الأمر أنه لا يريد الخروج من الجنّة ؟ أم أن عبد العزيز بوتفليقة الذي كان وزيرا في الستينات و السبعينات تلذذ مزايا السلطة إلى أن ثمل، و ليس منصب الرئاسة في القرن الواحد و العشرين، هو الذي جعله يستمتع بما لم يستمتع به في عهدي بن بلّة و بومدين، و إنما الرجل، يريد ببقائه حاكما أعلى للجزائر أن يبلّغ رسالة للقدر و للذين حرموه عام 1978 من أن يكون خليفة للرئيس هواري بومدين، و مفاد الرسالة: "ها أنا رئيس و ها أنا باق و سأبقى رئيسا" !
للجيل الجديد الذي لا يعرف بالضرورة ما حدث نهاية سبعينات القرن الماضي، يتوجب التذكير بأن هذا الرجل المسمّى عبد العزيز بوتفليقة، كان وزير خارجية ، و كان الكل ينظر إليه على أنه الذراع الأيمن للرجل الأول في جزائر ذلك الوقت، هواري بومدين، و حينما مرض هذا الأخير، و باتت وفاته حتمية لا مفرّ منها، لا أحد كان يشك للحظة واحدة في كون بوتفليقة هو الرئيس القادم للجزائر. لكن الذي حدث أن جماعة أخرى في حكم تلك الفترة قرّرت أن يكون رئيس الجزائر، عسكريا اسمه الشادلي بن جديد. و لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل وصل الأمر إلى حد اتهام بوتفليقة باختلاس أموال وزارة الشؤون الخارجية التي كان يشرف عليها لسنوات عديدة، و نشرت جريدة "المجاهد" اليومية الناطقة بالفرنسية، تفاصيل بالأرقام عن تلك الاختلاسات (؟!) اطّلع عليها الجزائريون و هم مشدوهون، غير قادرين على أن يصدّقوا كيف أن الرمز الدبلوماسي اللامع، و المرشح الوحيد السابق لخلافة أكبر زعيم لهذا الوطن، يتضح أنه سارق! و لم تنته الأمور في الاختلاسات، بل قرّرت نفس تلك الجماعة أن توصد أبواب حزب جبهة التحرير الوطني في وجه عبد العزيز بوتفليقة، و أحيل ملّف الرجل على مجموعة من ممثلي تلك الجماعة داخل الحزب الواحد، و عقب مداولة لم تُعقد أبدا ربما، صدر القرار: طرد عبد العزيز بوتفليقة من اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني. نعم، يجب أن يعرف أبناء الجيل الجديد بأن الحزب الذي يرأسه بوتفليقة اليوم ، كان قد أهانه و طرده منذ أقل من ثلاثة عقود.
و ربما كان مسلسل إضرار بوتفليقة و اهانته سيتواصل بعد طرده من الآفلان، لو لا أنه غادر الجزائر، مفضلا الإقامة في الإمارات العربية، و هي الفترة التي يسميها بوتفليقة "عشرون سنة من التشرّد ".
في نهاية عام 1994، يكون بوتفليقة قد اقتنع دون أدنى شك بأن القدر بدأ يدور لصالحه، و أن المطلوب منه فقط، قليل من الصبر و الإصرار، و كثيرا من الشروط، كي ينتقم من الأيام كما يجب أن يكون أي انتقام تاريخي. حينها، كان أصحاب القرار بالجزائر، في مأزق حقيقي... سنتان تقريبا كانتا قد مرّتا، و البلد بلا رئيس، بعد رحيل الرئيس الشادلي بن جديد مكرها. في ذلك الوقت، كان لا بد من إنهاء فترة حكم الرئاسة الجماعية التي ملأت شغور منصب الرئيس، و التي كانت تسمّى " المجلس الأعلى للدولة". فتم الاتفاق على عقد ندوة " للوفاق الوطني " يزكّي المشاركون فيها، شخصا يصبح " رئيسا للدولة" ( و ليس رئيسا للجمهورية) يتولّى تسيير شؤون البلاد بدلا من تلك القيادة الجماعية، على أن يحضر رئيس الدولة المختار لإجراء انتخابات رئاسية جديدة. أصحاب القرار، و حتى نكون أكثر وضوحا، يتوجب القول كبار ضباط الجيش و من ضمنهم الرئيس السابق اليمين زروال الذي كان وزيرا للدفاع آنذاك، و كذا خالد نزّار الذي كان عضوا في المجلس الأعلى للدولة، اتصلوا بعبد العزيز بوتفليقة، و بذلوا جهدا لا يوصف لإقناعه بما يمكننا أن نصفه بالاستجابة لنداء الوطن، ما دام ذلك الوطن بحاجة إليه.
العسكر طلبوا من بوتفليقة أن يكون رئيسا للدولة إذن، لأن المجتمع الدولي لم يكن يرى بعين الرضا لحكم الجيش حتى لو كان مستترّا وراء شخصيات مدنية من شاكلة تلك التي كانت تشكّل المجلس الأعلى للدولة، ثم إن المجتمع الدولة ظل يعتبر رحيل الرئيس الشادلي بن جديد في 11 جانفي 1992، بمثابة انقلاب عسكري أبيض و غير معلن. و بالتالي كان الإتيان ببوتفليقة كفيلا بأن يجمّل صورة الحكم في الجزائر أمام العالم، خصوصا و أن لبوتفليقة رصيد ليس من التجربة فقط، و إنما حتى من العلاقات الدولية. بوتفليقة قيل أنه قبل بالاضطلاع بالمهمة، و لكن الذي حدث، هو أن بوتفليقة - على ما قيل دائما- أخذ الطائرة و غادر أرض الوطن، في آخر لحظة... سويعات قليلة قبل افتتاح ندوة الوفاق الوطني التي كان يُفترضُ أنها ستزكي بوتفليقة رئيسا للدولة، و ترك الجماعة في مأزقها ! لماذا تصرّف بوتفليقة على ذلك النحو ؟ كل شيء يقول أن بوتفليقة قبل بتحمّل تلك المسؤولية، لكنه ما أن شعر أن العسكر كانوا يريدونه أن يكون واجهة لهم، أي أن يستمروا هم في التصرف كأصحاب قرار، و يبقى هو مجرد ناطق رسمي لهم، قرّر العدول عن قراره بالقبول، و حتى لا يتيح الفرصة لأي كان كي يحرجه أو يمارس عليه أي نوع من أنواع الضغط ، فضّل الهرب إن صح التعبير.
العسكر لم يسامحوا بوتفليقة على فعلته تلك، و لكن الرجل لم يكن يكترث كثيرا لا للعسكر و لا لغيرهم، و كأني به كان لا يزال مقتنعا بأن رياح القدر ستبقى تجري بما كان قد اشتهاه عام 1978، عقب وفاة بومدين.
عقب القرار المفاجئ الذي أعلنه الرئيس اليامين زروال بتقليص عهدته الرئاسية و إجراء انتخابات جديدة لاختيار الرئيس البديل، اضطر أصحاب القرار، للعودة مرة أخرى إلى عبد العزيز بوتفليقة، و لأن هذا الأخير ظل متمسكا بألا يكون مجرد واجهة و أن يكون رئيسا كاملا، فقد استجاب الذين توسّلوا لرغبته كي يقبل بخلافة زروال، لأنهم كانوا يدركون بأن الرجل لن يقبل بأن يكون ثلاثة أرباع رئيس كما قال هو نفسه .
ما أجمل القدر حينما ينتقم !.. بوتفليقة من محروم من الرئاسة إلى متهم باختلاس أموال الدولة، إلى مطرود من اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني إلى لاجئ إرادي في الخليج .. إلى رئيس... إلى رئيس بعهدة غير محدودة !
منذ أن تولّى الرئاسة عام 1999، عرف بوتفليقة كيف يحصّن سلطته أمام أي تدخل محتمل من هذه الجهة أو تلك. لقد كان بوتفليقة الرئيس الجزائري الوحيد بعد بومدين، الذي لا وجود معه لشيء اسمه " أصحاب القرار". رجل واحد يقرّر هو بوتفليقة. و لكن عيب الرجل أيضا برأي كل الملاحظين، و برأي حتى أقرب المقربين إليه، أنه أراد أيضا أن يكون الرجل الوحيد الذي يفكر.
" بوتفليقة لا ينسى" هذا ما سبق لنا أن نقلناه عن أحد الذين يعرفون الرجل معرفة جيدة. مقولة " بوتفليقة لا ينسى" استحضرتها، يوم أعلن الرئيس بالقاعة البيضاوية، ترشحه لعهدة ثالثة. لقد قال بأنه قرّر أن يكون مرشحا مستقلا. العبارة ثقيلة.. ثقيلة جدا و إن كانت تحمل في طياتها ضربة قاضية موجهة للأحزاب المكونة لما يسمى " الائتلاف الرئاسي" ( الآفلان، حمس و الآرندي) فإنها تحمل بلا منازع صفعة تاريخية لحزب جبهة التحرير الوطني، الذي كان يعتبر رجاله أن بوتفليقة ما هو إلا مرشّحهم، بوصفه هو الذي يرأس الحزب.
إن قرار بوتفليقة بأن يكون مرشحا مستقلا لا يعني إلا شيء واحد، و هو أن الرجل بعدما كان قد نجح في التحرّر من دائرة " أصحاب القرار"، قرّر أن يتخلّص من أي " خدمة" حزبية تُقدّم له، و يجد نفسه أخلاقيا مطالبا بأن يرد الجميل لأصحاب ذلك الجميل، و في ذلك نيّة مبطّنة برأي الملاحظين أن حكومة ما بعد أفريل 2009، سوف لن تُشكّل على أساس الحصص الحزبية، و أن على الأحزاب الطامعة (و ليست الطامحة) أن تعيد أيديها إلى جيوب أصحابها.. لقد قال لها بوتفليقة منذ الآن: " الله يفتح".

سليمان.ع

0 التعليقات:

أحوال الطقس في العالم

أنت الزائر رقم